الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

208

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفي اجتلاب الفعل المضارع دلالة على حدوث التكذيب منهم وتجدده ، أي بل هم مستمرون على التكذيب عنادا وليس ذلك اعتقادا فكما نفي عنهم تجدّد الإيمان وتجدد الخضوع عند قراءة القرآن أثبت لهم تجدد التكذيب . وقوله : الَّذِينَ كَفَرُوا إظهار في مقام الإضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال : بل هم يكذبون ، فعدل إلى الموصول والصلة لما تؤذن به الصلة من ذمهم بالكفر للإيماء إلى علة الخبر ، أي أنهم استمروا على التكذيب لتأصل الكفر فيهم وكونهم ينعتون به . [ 23 ] [ سورة الانشقاق ( 84 ) : آية 23 ] وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ ( 23 ) اعتراض بين جملة بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [ الانشقاق : 22 ] ، وجملة : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الانشقاق : 24 ] وهو كناية عن الإنذار والتهديد بأن اللّه يجازيهم بسوء طويتهم . ومعنى بِما يُوعُونَ بما يضمرون في قلوبهم من العناد مع علمهم بأنّ ما جاء به القرآن حق ولكنهم يظهرون التّكذيب به ليكون صدودهم عنه مقبولا عند أتباعهم وبين مجاوريهم . وأصل معنى الإيعاء : جعل الشيء وعاء الوعاء بكسر الواو الظرف لأنه يجمع فيه ، ثم شاع إطلاقه على جمع الأشياء لئلا تفوت فصار مشعرا بالتقتير ، ومنه قوله تعالى : وَجَمَعَ فَأَوْعى [ المعارج : 18 ] وفي الحديث : « لا توعي فيوعي اللّه عليك » واستعمل في هذه الآية في الإخفاء لأنّ الإيعاء يستلزم الإخفاء فهو هنا مجاز مرسل . [ 24 ] [ سورة الانشقاق ( 84 ) : آية 24 ] فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 24 ) تفريع على جملة بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [ الانشقاق : 22 ] . وفعل « بشّرهم » مستعار للإنذار والوعيد على طريقة التهكم لأن حقيقة التبشير : الإخبار بما يسرّ وينفع . فلما علق بالفعل عذاب أليم كانت قرينة التهكم كنار على علم . وهو من قبيل قول عمرو بن كلثوم : قريناكم فعجّلنا قراكم * قبيل الصبح مرداة طحونا [ 25 ] [ سورة الانشقاق ( 84 ) : آية 25 ] إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 25 )